‏إظهار الرسائل ذات التسميات رمضات 2013. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رمضات 2013. إظهار كافة الرسائل

السبت، 20 يوليو 2013

رمضات ١١ : ولكن ما تعمدت قلوبكم …


وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
الأحزاب ٥

فلم تخلق القلوب لتحتوي الإنسان ، وإنما خلق هو ليحتويها ، مضغة بداخله ، إن صلحت صلح جسده وحاله ، وإن فسدت فسد جسده وحاله ، وعليه فقد صار كل خطأ الإنسان مغفور له ، إلا ما تعمد وأيقن قلبه ولم ينكر ، وهي من رحمة الخالق علينا الذي تجاوز عن كل أخطاء حواسنا فيما عدا ما وافقه القلب و صدقه.

عن أبو ذر الغفاري قال :
"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال: ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ، قلت: وإن زنى وإن سرق ، قال: وإن زنى وإن سرق ، قلت: وإن زنى وإن سرق ، قال : وإن زنى وإن سرق ، قلت وإن زنى وإن سرق ، قال وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر ، وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال وإن رغم أنف أبي ذر " رواه البخاري ومسلم

فالقلوب بوصلة الإنسان ، ، هي ما تحدد اتجاهاته وتقيس أفعاله ، ومن هنا كانت محل لنوايا الإنسان وموضع لها ، فقد يقتل الإنسان ، وقد يزني ، وقد يسرق ، وقد يرتكب الكبائر عن غفلة من قلبه ، وعن أضطراب في نواياه ، وتلك الغفلة وذاك الإضطراب هو ما يمنحه مفتاحا لتوبته ولن أيقن قلبه ما يفعل لفقد هذا المفتاح ولاستمرت غفلته ، يقول تعالى :

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
النساء ١٧

فالمقاييس إذن ليست مقاييس ما تفعل وإنما هي مقاييس من وقر في القلوب ، فليس من تفعل من باطل مهما بلغ أثره بأعظم من تعمد باطل وقر في قلبك ، فلست والله بمحاسب على ما تفعله جوارحك بقدر ما أنت محاسب على ما يملأ قلبك ، فطهر قلبك ، وأعمل على إزالة ما فيه من سوء وجهالة . فربما كان شفيعا يوم القيامة - بما ملأته – لك ولجوارحك.

اللهم طهر قلوبنا ..


ش.ز

الجمعة، 19 يوليو 2013

رمضات ٩ : حتى لا تكون فتنة !!


وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
الأنفال ٣٩

بين إثارة الفتنة والسقوط فيها هناك خلط كبير ، فإثارة الفتنة هي جريمة أشد من القتل تسمح بدب أسباب الخلاف بين الناس وتشويه الأفكار والحقائق بينهم مما قد يسمح بقتالهم وأستباحة دمائهم أو ربما بقتل نفوسهم أو نخوتهم أو كرامتهم أو دينهم أو أي معنا قد يسمو بداخلهم ، أما السقوط فيها فهي محنة وابتلاء ، لا يجتازها سوى من كان كان في قلبه ما يكفيه من الإيمان ليسانده في عبوره ،بينما قد يساعد ضلال بعضهم على غرقهم فيها دون قصد أو عن جهالة.

أما عن مواجهة كل منهما فالفرق كبير أيضا ، فإن كانت مواجهة السقوط في الفتنة تكون بزيادة الإيمان وتجلية الحقائق في قلوب وعيون الناس ، فإن مواجهة إثارتها يكون بردع المثيرين وإيقافهم عند حدودهم وقاطع دابر ما يحاولون نشره وترسيخه بين عقول وقلوب الناس ، هذا الردع لا حدود ولا سقف له ، من الإعتراض بالقلب والقول حتى الردع بالقوة ، لإن ثمن إيقاف هذه الفتن أقل كثيرا من ثمن استمرارها و انتشارها و وقوع الناس فيها.

ولذا قال ربنا : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، يقول الشعراوي في تفسيره للآية :
ويريد الله سبحانه وتعالى أن تنتهي الفتنة. والفتنة هي الاختبار. وكما قلنا: إن الاختبار ليس مذموماً لذاته، ولكنه يُذم بنتيجته. فإن رسب الطالب في الاختيار تكون نتيجة الاختيار مذمومة. وإن نجح تكون محمودة. ولقد كان كفار قريش يفتنون الناس في دينهم بتعذيبهم تعذيباً شديداً حتى تخور قواهم ويخضعوا لأحكامهم. وأراد الله سبحانه وتعالى أن يضع نهاية لهذا الظلم. فإذن بقتالهم؛ لأنهم هم الذين فعلوا ما يستوجب قتالهم.

أما الخطأ الشائع الذي يقع فيه الناس ، هو عزوفهم عن الدخول في معارك إيقاف الفتن بدعوى عدم الوقوع فيها ، وهم في الحقيقة خلافا عن مشاركتهم بذلك في إثارة الفتنة نفسها و دورهم في سقوط الكثير فيها ، فهم قد سقطوا بذاتهم في فتنة أكبر ، وهي فتنة ستسمح في المستقبل بانتشار الكثير من الفتن ، وستمنع وأدها في بدايتها ، عوضا عن تربية جيل ضعيف لا يستطيع الوقوف في وجهها. وفي ذلك قال سبحانه كما قال سبحانه :

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ
التوبة ٤٩

وهؤلاء هم من يسمحون بانتشار المرض ، بل هم من المرض ذاته ، هؤلاء من لا يريدون قصاصا لأن فيه إهدارا للدم ، هؤلاء من لا يريدون قطع يد السارق لتنافيه مع الحقوق الإنسانية والبشرية ، هؤلاء من يرضون بالظلم وضياع الحقوق لأن في ذلك أمنهم وسلمهم واستمتاعهم بالحياة ، هؤلاء من يقتلون الحق بداخلهم ويسمحون للباطل أن يمر وبسهولة من خلالهم !!

هؤلاء ن يدعون أنهم بعزوفهم يبعدون عن الفتنة .. هم من يسقطون في الفتنة .. هم .. ولا غيرهم .

اللهم لا تفتنا ، وإجعلنا رادعا لكل فتنة تنتشر بين عبادك يا قادر .


ش.ز

الأحد، 14 يوليو 2013

رمضات ٥ : ثواب الدنيا ..


مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ...
النساء ١٣٤

الرسالة واضحة للغافلين ، لمن ظن أن الله يملك ثواب الآخرة وفقط ، فتأتي الآية لتؤكد أن الله يملك ثواب الدنيا وثواب الآخرة ، وأن من أراد أحدهما أو كلاهما ليس له طريق واحد هو طريق الله سبحانه وتعالى.

ولعل البعض قد يلاحظ - كما لاحظت – أن ليس في الآية ما ينفر من الرغبة في هذا الثواب الدنيوي ، بل إنه يرشد طلابه إلى الطريق الصحيح لإيجاده واكتسابه ، وقد يصل ذلك إلى درجة التشجيع على السعي إليه في هذا الطريق ، وكيف لا ، وهو يجعل هذا الثواب من معطيات الله الذي لا تأت أبدا إلا بكل خير .

يقول رسول الرحمة :
"ليس منا من ترك دنياه لآخرته ، وآخرته لدنياه."

فالدنيا سلّم وممر يوصلنا إلى الآخرة ، فمن أرد الدنيا دون الآخرة كمن أراد ارتقاء سلّما لا نهاية له ، ومن أراد الآخرة دون الدنيا كمن هدم سلمه وشق على نفسه طريقه إلى الآخرة ، فغافلٌ من ظن أن زهد الدنيا هو بتركها فكيف يزهد في الشئ من ليس يملكه ؟!

يقول القرضاوي في كتابه "مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام" :
"الزهد يقتضي ملك شئ يزهد فيه ، والزاهد حقا من ملك الدنيا فجعلها في يديه ، ولم يجعلها في قلبه"

فطلب ثواب الدنيا في الطريق إلى ثواب الآخرة محمود لا شئ فيه ، وطلب ثواب الدنيا دون العمل لثواب الآخرة مذموم ومنهي عنه ، و أما طلب ثواب الآخرة منفردا ، فهو شئ لا محل له من الإعراب ، ولم يذكره الله حتى في كتابه العزيز.

يقول القرضاوي :
"يقول تعالى في سورة البقرة "مِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ … وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .. "
البقرة ٢٠٠/٢٠١
لم يذكر القرآن الكريم القسم الثالث من الناس - بحسب التقسيم العقلي – وهو من لا يطلب إلا حسنة الآخرة ، وما له في الدنيا من أرب ، وكأنه سبحانه وتعالى يعلمنا أن هذا الصنف لا يكاد يوجد في الناس ، بل لا ينبغي أن يوجد بأي حال "

فالدنيا هي طريقنا إلي الأخرة ، وليس علينا أن نجعل منها صحراء جرداء نسير فيها ، وإنما علينا أن نيسرها لأنفسنا ونمهدها لنصل إلي سعادة الدارين ، الدنيا والآخرة.

يقول فهمي هويدي في كتابه "القرآن والسلطان" :
"إننا نسلم أن "الدنيا ممر لا مقر" ، وأنها "مزرعة الآخرة" ، وأن "المعاش طريق إلى الميعاد" إلى غير ذلك من العبارات التي درج الفقهاء علي استخدامها ، وأخذت بمأخد ترك الدنيا وتحقيرها.

ولكن الأمر المحير هو : إذا كانت الدنيا ممرا ، فلماذا لا نحيلها ممرا مريحا وهينا ، وإذا كانت مزرعة فلماذا لا نملأها بالورود والزهور ، وإذا كان المعاش طريقا إلي المعاد ، فلماذا لا نمهد هذا الطريق ونضيئه ، ونفرشه بالبسط إذا أمكن ؟ .

لماذا هذا الإصرار على أن يظل الممر مليئا بالحفر والمنعرجات ، وأن تمتلئ المزرعة بالشوك والحنضل ، وأن تطفأ أنوار الطريق وتقام عبره الحواجز بين كل خطوة وخطوة ؟! "

اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة و قنا عذاب النار ..


ش.ز

السبت، 13 يوليو 2013

رمضات ٤ : من أجل ذلك ! ..


مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ...
المائدة ٣٢

تأتي هذه الآية تالية لقصة قابيل وهابيل ، قصة أول حادثة قتل على وجه البسيطة ، قصة لم تتوقف وإلى الآن ، قصة لا زالت تتكرر بين بني البشر ليس فقط بقتلٍ مادي ودماء تراق بينهم ، وإنما بقتلٍ معنوي صار ينتهك المشاعر والنفوس ويقتلها أكثر من مرة دون سقوط قطرة دماء واحدة ، ويتركها أجسادا حية تنبض فيها قلوب قاسية ميتة تنتظر من يحيها.

فالقصة ليست قصة قتل قابيل لهابيل ، وإنما قصة كل فاشل قرر أن يبني مجده على إزاحة من فاقوه نجاحا ، حقدا وحسدا ، و ظنا منه أن وجودهم هو ما يعيق تقدمه ، لكنه ما يلبث - بعد إزاحته لهم – أن يفهم أن رحيلهم لم يغير حقيقة كونه فاشلا ضعيفا ، لن يستطيع حتى أن يزيح جثث نجاحاتهم من طريقه الذي يسير فيه ، كما فشل قابيل أن يواري جثة أخيه ، وفعلها من هو دونه في الخلق ، مجرد غرابا لم يملك قلبه الفاسد ، ولا عقله الضال !!

ومن أجل ذلك كتب الله معادلته الأبدية ، أن قتل البشرية جميعها يكون بقتل نفس واحدة فيها بدون ذنب ، وأن إحيائها يكون بإحياء نفس واحدة فيها وإنقاذها من الهلاك ، فالله الذي خلقنا على اختلاف قدراتنا ، لم يجعل نجاحنا سوي باجتماع تلك القدرات ، فإزاحة إحدها هو بمثابة فشل للجميع ، والحفاظ على كل منها هو بمثابة تدعيم لهذا النجاح .

ولذا بات الناجح ليس فقط من يحقق ما أراد ، وإنما من دعم غيره لتحقيق أحلامه وطموحاته ، فهو حينها كمن يحمل تاجا ذهبيا على رأسه ، صار به ملكا ، دون أن يقلل من قيمة ذاك التاج الذهبي شيئا ، وأما الفاشل الحقيقي ليس من فشل في تحقيق ما أراد ، وإنما من لم يرتضي نجاح غيره ، وصار هدفه الأساسي هو إفشال غيره وفقط ، فهو حينها كمن أصابه المرض ، فبات همه أن ينقله إلى غيره ظنا منه أن ذلك قد يشفيه ، وهو في الحقيقة يقتل نفسه ومن معه.

ربنا ارزقنا القوة لنحيي قلوب ونفوس عبادك ، و طهر قلوبنا من أي حقد أو حسد تجاههم ، ولا تجعلنا ربنا من عبادك المسرفين.


ش.ز

الجمعة، 12 يوليو 2013

رمضات ٣ : أرض الله واسعة ..


إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ...
النساء ٩٧

هي أرض الله الواسعة ، ليست كأرضنا الضيقة ، أرضه التي تحتمل جميع المعاني ، مادية كانت أم معنوية ، فالهجرة هنا إن كانت تعني الرحيل من أرض ضاقت بما تحمله النفس من رغبة للإصلاح و التمسك بالمبادئ والدين ، فهي تعني أيضا هجر كل ما يوقف الإنسان من عوائق وعثرات وحزن ويأس ، فمهما علت أخطاء الإنسان فهناك من المؤكد فرص أخري لإصلاحها ، وهناك أيضا أرض أخري مستعدة لأن يصحح فيها أخطاءه ولا يكرر فيها تجاربه الخاطئة ، المهم أن لا نتوقف ، المهم أن يستمر السعي ، وإلا فقد بدأنا في ظلم أنفسنا واستضعافها.

وتأمل سؤال الملائكة لمن توقفوا ، وأقعدهم كسلهم و ضعف نفوسهم وأهوائهم عن السعي والهجرة بما يحملون من دينهم و قدراتهم ليبلغوا الدعوة ويعمروا في هذه الأرض ، تأمل سؤالهم الإستنكاري لهم "فيم كنتم ؟!"، فيم كان توقفكم بما تملكون من القدرة والنعم التي منحها الله لكم ، ما حجتكم بما أوسعه الله عليكم من النعم والأرض والرحمة ، لم تضيقونها على أنفسكم ، وتستضعفونها وهو الذي منحكم ما تستقوون به على أنفسكم وشياطينكم !!

فليعلم كل إنسان أن الله قد منحه من التعم ما يؤهله أن يستمر في هذه الحياة ليعمرها ولينشر دعوة الله فيها ، وأنه لا مجال للحديث أو التحجج باستضعاف أو بقهر أو بعجز ، فالإنسان لم يأت لهذه الأرض إلا خليفة لربه فيها ، وما كان الله أن يمنحه الخلافة دون أن يؤهله بما يستطيع أن يمارس دوره بل وأرشده إلى الحق والصواب برسل وديانات بعثها إليه ، فما كان منه بعد ذلك إلا تقصيرا وكسلا ، فهو تفريط في تلك الخلافة ، وعدم استحقاق ليها.

اللهم اجعلنا ممن يهاجرون في الأرض وبين نفوس الناس لينشروا اسمك و ليعمروا أرضك ولينصروا من ينصرك.

ش.ز


الخميس، 11 يوليو 2013

رمضات ٢ : تشابهت قلوبهم …


وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِيَنَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ..
البقرة ١١٨

فإن تشابهت القلوب فلا قيمة لعلم ولا منطق يتحدث ..
ولا عجب إن رأيت الآن في الناس مع اختلاف عقولهم من يملكون ذات الصفات المذمومة من انعدام للضمائر والطمع والجشع و الجزع وغيرها ، فهم في الحقيقة لم يعملوا عقولهم ولم يؤثر فيهم أي منطق أو علم قد اكتسبوه ، وإنما غلبتهم قلوبهم وما هوت ، فما عاد هناك فرق بينهم وبين من جهلوا ، ولذا يؤكد الله عز وجل في آياته أن العقول إن تفاوتت في معرفتها ولم ينتج عنها غير ذات القول فهي علامة على تشابه القلوب وأهوائها.

يقول الشعراوي :
"لذلك قال الله تبارك وتعالى: تشابهت قلوبهم.. أي قلوب أولئك الذين كانوا خاضعين للمنهج والذين لا يخضعون لمنهج قد تشابهت بمنطق واحد. ولو أن الذين لا يعلمون قالوا ولم يقل الذين يعلمون لهان الأمر.. وقلنا جهلهم هو الذي أوحى إليهم بما قالوا.. ولكن ما عذر الذين علموا وعندهم كتاب أن يقولوا أرنا الله جهرة.. إذن فهناك شيء مشترك بينهم تشابهت قلوبهم في الهوى.. إن مصدر كل حركة سلوكية أو حركة جارحة إنما هو القلب الذي تصدر عنه دوافع الحركة.. ومادام القلب غير خالص لله فيستوى الذي يعلم والذي لا يعلم "

فما كانت الآيات والبراهين يوما إلا إثباتا للعقول ، فهي القادرة على تحليلها وتأكيدها أو نفيها ، فإن فشلت فقد ضلت و اتبعت أهواء قلوبها.وما كانت الآيات والبراهين يوما إلا طمأنة للقلوب ويقينها ، فإن فقدت ذاك اليقين فلا حاجة لها لآيات لن تنشأ بداخلها ما لم يولد بها من قبلفالآيات وبيانها لمن يوقن ، أما من فقد اليقين ، فما طلبه للآيات والبراهين إلا ليخضعها لهوي نفسه الضال ، و مهما بلغ بيانها فهي بالنسبة له مجرد سحر مبين !!.

يقول سيد قطب في ظلاله :
"والذي يجد راحة اليقين في قلبه يجد في الآيات مصداق ليقينه ، ويجد طمأنينة ضميره ، فالآيات لا تنشئ اليقين ، إنما اليقين هو الذي يدرك دلالتها ويطمئن إلي حقيقتها ، ويهئ القلوب للتلقي الواصل الصحيح"

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا واجعلنا ممن يعقلون فيعلمون ويعملون بما علموا يا رب العالمين.

ش.ز


رمضات ١ : اصبروا وصابروا …


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ … [ آل عمران ٢٠٠ ]

وفي أول أيام الصيام ، أو قل أيام الصبر عن الطعام ، سنتحدث عن الصبر …
فالصبر هو أساس كل محمود من أخلاق الإيمان ، و هو ركن في معظم العبادات ، وهو زاد النفس ، وأول درجات الوصول إلى الفلاح.

يقول محمد الغزالي :
"الصبر عنصر أصيل فى بقية الأعمال الأخرى من صلاة ونفقة وإصلاح، إنه الخيط الذى جمعها، بل هو فى كيانها كالماء فى صنوف الأحياء..."

ويقول أبو حامد الغرالي في إحياء علوم الدين :
"اعلم أن الصبر ضربان :
أحدهما: ضرب بدني، كتحمُّل‏ المشاق بالبدن والثبات عليها، وهو إما بالفعل، كتعاطي الأعمال الشاقة، إما من العبادات أو من غيرها. وإما بالاحتمال كالصبر على الضرب‏ الشديد، والمرض العظيم، والجراحات الهائلة ، وذلك قد يكون‏ محموداً إذا وافق الشرع. ولكن المحمود التامّ هو الضرب‏ الآخر، وهو الصبر النفسي عن‏ مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى.
ثم هذا الضرب إن كان صبراً عن شهوة البطن والفرج سمِّي "عفَّة".
وان كان على احتمال مكروه‏ اختلفت أساميه عند الناس باختلاف‏ المكروه الذي غلب عليه الصبر.
فإن كان في مصيبة اقتصر على‏ اسم"الصبر" وتضاده حالة تسمي‏ "الجزع والهلع" وهو إطلاق داعي‏ الهوى ليسترسل في رفع الصوت، وضرب الخدود، وشق الجيوب‏ وغيرها.
وإن كان في احتمال الغنى سمِّي‏ "ضبط النفس" وتضادُّه حالة تسمَّى "البطر".
وإن كان في حرب ومقاتلة سُمي"شجاعة" ويضاده "الجب".
وإن كان في كظم الغيظ والغضب‏ سمي"حِلما" ويضاده "التذمُّر".
وإن كان في نائبة من نوائب‏ الزمان مُضجِرة، سُمِّي "سعة الصدر" ويضاده "الضجر والتبرم وضيق‏ الصدر".
وإن كان في إخفاء كلام سمِّي‏ "كتمان السر" وسمي صاحبه‏ "كتوما".
وإن كان عند فضول‏ العيش سمي"زهدا" ويضاده‏ "الحرص".
وإن كان صبراً على قدر يسير من‏ الحظوظ سمي"قناعة" ويضاده‏ "الشَّره" فأكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر."

فالصبر مطلوب "على و عن و في" ، صبرا على كل ما يفيد وتكرهه النفس ، وصبرا عن كل ما يضر وتهواه النفس ، وصبرا على ابتلاء ومحنة تصيبها ويهتز لها إيمانها.

والصبر مطلوب وضروري لكنه ليس كاف ، فالصبر على الحق يقابله صبر على الباطل ، والصبر عن الشر يقابله صبر الخير ، ولذلك أتبعه تعالى بقوله و"صابروا" ، أي أعلوا بصبركم فوق صبر عدوكم عليكم ، وأصبروا على صبركم لتبلغوا غايتكم.

يقول القرضاوي في كتابه "الصبر في القرآن الكريم":
"والقرآن لم يكتف من المؤمنين بمجرد الصبر ، بل طلب منهم درجة آخري بعد الصبر وهي المصابرة .
وصيغة المصابرة تفيد المفاعلة من جانبين ، والمعنى هنا مغالبة الأعداء في الصبر ، ذلك أننا إن كنا نصبر على حقنا ، فإن المشركين يصبرون على باطلهم ، فلابد أن نغلبهم بصبرنا ، وأن يكون صبرنا آكد وأقوى.
ولهذا حكى القرآن عن المشركين استمساكهم بالصبر على ضلالهم وشركهم وتواصيهم بذلك.
ففي سورة الفرقآن يتحدثون عن النبي ساخرين : " أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا .. إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا"
وفي سورة ص يقول الله تعالى حاكيا عنهم : " وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ"
فإذا كا هذا شأن أهل الشرك في التنادي بالصبر على آلهتهم ، فصابروهم أيها المؤمنون وغالبوهم ، بالصبر علي توحيدكم وعقيدتكم ، والاستمرار في تأييد دينكم ، والتضحية في سبيله ."

وليس الصبر هو البلادة ، و إنما الصبر هو تسليم القوي فيما لا يقدر عليه ، واستخدام قوته في توجيه نفسه بعيدا عما تهوى نحو ما هو أصلح لها ، فلا خلط هنا بين سلبية يتكاسل فيها الإنسان عن الفعل و رده ، وبين قدرة إنسان تتحكم بجوارجه وأفعاله ، فيمنعها عن فعل هذا ويجبرها على فعل ذاك ، فإن قدر على دفع بلاءه وتجاوزه ، كان صبره تبلدا مكروها ومذموما.

يقول محمد الغزالي :
"إذا وجدت الصبر يساوي البلادة في بعض الناس فلا تخلطن بينإ تبلد الطباع المريضة وبين تسليم الأقوياء لما نزل بهم"

ويقول أبو حامد الغزالي :
"كل بلاء يقدر الإنسان على دفعه فلا يؤمر بالصبر عليه ، فول ترك الإنسان الماء مع طول العطش حتى عظم تألمه ، فلا يؤمر بالصبر عليه ، بل يؤمر بإزالة الألم. وإنما الصبر على ألم ليس إلى العبد إزالته"

وليس الصبر مدعاة لقهر النفس وكبتها ، وإنما سببا لتهذيبها وتطهيرها ، فليس الصبر ما كان مصحوبا بالعجلة أو بالغضب أو بالحزن أو باليأس أو بشكوى أو تذمر ، فالصبر إن كان مصحوبا بأي من هؤلاء هو أقبح من أن يكون صبرا ، وهو أدنى أن يبلغ المصابرة في مواجهة صبر أهل الباطل على باطلهم ، فالصبر لا يحفظ قيمته وجماله سوي نفس وجوارح صامدة ، تبتسم راضية بأقدار الله واثقة وآملة بنصره وهذا هو الصبر الجميل المأمورون به.

اللهم افرغ علينا صبرا جميلا تصلح به نفوسنا ، و تنصر به الحق على الباطل ، ويبلغنا غايتنا في رضاك.


ش.ز